ابن قيم الجوزية
552
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
ثم لا ينكر حصوله بدون العلم . لكن صاحبه على غير بصيرة ولا وثوق به . « وشيم برق الكشف » هو النظر إليه على بعد . فإن صاحب الحال : عامل على شيم برق الكشف . لأن شيم برق الكشف : يوجب نورا يأنس به القلب . فعزيمة صاحبه : على استدامته وحفظه . وأما « الإجابة لإماتة الهوى » . فهو أن السالك إذا أشرف على الكشف : أحس بحالة شبيهة بالموت ، حتى أن منهم من يسقط إلى الأرض . ويظن ذلك موتا . وهذه الحال من مبادئ الفناء فتهوى نفسه العود إلى الحجاب ، خوفا من الانعدام ، لما جبلت عليه النفس البشرية من كراهة الموت . فإذا حصل العزم أميت هذا الهوى ، ولم يلتفت إليه ، رغبة فيما يطلبه من الفناء في الفردانية . فإن الحقيقة لا تبدأ إلا بعد فناء البشرية . وهذا الذي قاله حق ، لا ينكره إلا من لم يذقه . وإنما الكلام في مرتبته ، وأنه غاية أو توسط أو لازم ، أو عارض ؟ . فشيخنا - رحمه اللّه - كان يرى أنه عارض من عوارض الطريق لا يعرض للكل . ومن السالكين من لم يعرض له البتة . ومن الناس من يراه لازما للطريق لا بد منه . ومن الناس من يراه غاية لا شيء فوقه . ومنهم من يراه توسطا . وفوقه ما هو أجلّ منه وأرفع . وهو حالة البقاء . واللّه أعلم . قال « الدرجة الثانية : الاستغراق في لوائح المشاهدة . واستنارة ضياء الطريق واستجماع قوى الاستقامة » . هذه ثلاثة أشياء : أحدها : فقدان الإحساس بغيره ، لاستغراقه في مشاهدته . الثاني : « استنارة ضياء الطريق » . يعني ظهور الجادة له ووضوحها . واتصالها بمطلوبه . وهذا كمن هو سائر إلى مدينة . فإذا شارفها ورآها : رأى الطريق حينئذ واضحة إليها ، واستنار له ضياؤها واتصالها بالمدينة ، وكان قبل مشاهدة المدينة على علم - أو ظن - يجوز معه أن يضيع عن باب المدينة . وأما الآن : فقد أمن من أن يضيع عن الباب . وكذلك هذا السالك : قد انقطعت عنه الموانع ، واستبان له الطريق . وأيقن بالوصول . وصارت حاله حال معاين باب المدينة من حين يقع بصره عليه . وكحال معاين الشفق الأحمر قرب طلوع الشمس ، حيث تيقن أن الشمس بعده . قوله « واستجماع قوى الاستقامة » . يعني : تستجمع له قوى الظاهر والباطن على قصد الوصول والعزم عليه ، لمشاهدته ما هو سائر إليه . وهكذا عادة المسافر : أنه إذا عاين القرية التي يريد دخولها أسرع السير وبذل الجهد . وكذلك المسابق إذا عاين الغاية : استفرغ قوى جريه وسوقه . وكذلك الصادق في آخر عمره : أقوى عزما وقصدا من أوله ، لقربه من الغاية التي يجري إليها . واللّه أعلم . قال « الدرجة الثالثة : معرفة علة العزم على التخلص من العزم . ثم الخلاص من تكاليف